الأحد، 6 ديسمبر 2009

خطاب أوباما بين شكوك الواقعيين وآهات الحالمين

"إنني ممتن لكم لحسن ضيافتكم ولحفاوة شعب مصر، كما أنني فخور بنقل أطيب مشاعر الشعب الأميركي لكم مقرونة بتحية السلام من المجتمعات المحلية المسلمة في بلدي: السلام عليكم. بهذا العبارات بدأ الرئيس باراك أوباما خطابه إلى العالم الاسلامي من تحت قبة جامعة القاهرة.

لقد انتظر العالم الاسلامي كله ذلك الخطاب الذي ظنه الكثير بمثابة نقطة جديدة على طريق التعامل مع العالم الاسلامي. وبعد انتظار جاء خطاب تحت تغطية إعلامية عربية وعالمية مكثفة. وفي زيارته المليئة بالإشارات التي أراد من خلالها القائمون عليها إبهار العالم الاسلامي بالرئيس الجديد. فأظهر الرئيس أوبا درجة عالية من الوعي بتاريخ المنطقة وحضارتها، وهو ما يظهر إلى أن الرجل يمتلك عدة مفاتيح للتقارب وأدوات الحوار المناسبة، وقد سهلت عليه هذه المفاتيح مهمة كسب ود العالم الإسلامي.

لقد زار أوباما من ضمن ما زار مدرسة السلطان حسن، ومنطقة الأهرامات، الأمر الذي لم يكن من باب الترفيه والتنزه، فقد جائت كل خطوة محسوبة وذات هدف ومغزى، فقد أراد الرجل أن يرى العالم العربي والإسلامي مدى انبهاره بحضارتهم عمليًّا، ولم يمر الأمر هباءا حيث استخدم بعض اللفتات البسيطة التي تترك أثرًا طيبًا في النفوس، مثل حرصه على خلع نعليه عند الدخول، ورفضه أن يلبس خفًّا مخصصًا للوفود السياحية، إلى ان جاء خطابه معززا بالاستشهاد بآيات القرءان الكريم.

وبعد طول انتظار جاء الخطاب ليعلم الجميع أن باراك حسين أوباما درس جيدا أصول وقواعد الخطابة، وهو ما يجعله مؤثرا فى الرأى العام ومستمعيه القريبين فى الأساس، فقد بدأ خطابه بعبارة «السلام عليكم»، وهذه العبارة جعلته يمس مشاعر المصريين الذين يستخدمون هذه العبارة عشرات المرات فى يومهم، وبالتالى وجدوا أن أوباما قريب منهم، فهو يستخدم نفس عبارتهم اليومية، كما أن هذه العبارة تحية الإسلام، وهو ما يعنى أنه يؤكد الرسالة التى يود أن تصل إلى كل مسلم وهى أنه جاء يحمل معه رسالة تصالح بين المسلمين والولايات المتحدة الأمريكية. وحينما انتقل أوباما إلى صلب الموضوع، طبق شروط العرض وهى التماسك والتلاحم بحيث لا تضعف خطبته بسبب التفكك أو تخلخل الفكرة، فجاء كلامه مرتبا غير مهوش ولا مضطرب. واستشهد أوباما في خطابة كثيرا بآيات القرءان الكريم، ليضرب على الوتر الحساس ويهز مشاعر المسلمين والأمر نسه حدث عندما استشهد بآيات من الإنجيل فأثّر بذلك على المسيحيين الموجودين، وعرج على تاريخ الأزهر وجامعة القاهرة ليشير إلى أثر الإسلام على الحضارة الأنسانية.

ولم يحمل الخطاب بصمات أوباما الشخصية فقط، وإنما هو نتاج النظام المؤسسى الأمريكى كله بحلته الديمقراطية الجديدة، وهو ما يتجلى فيه البصمة الديمقراطية، التي تتجلى على النمط الأمريكي. إلا أننا في تعاطينا مع الخطاب لم نركز إلا على الجانب الدعائي له، فقد أعجب الناس فى مصر بأوباما، الخطيب المفوه الذى لم يضطرب ولم يتلعثم، والذى ركز أهداف خطبته فى عبارات مصاغة بدقة ومحددة بما لا يُحدث أى التباس بشأنها، وكذلك بأدائه فى الإلقاء وحركات جسده المؤدية والمساعدة لعوامل التأثير، فهو، من حيث الهيئة، يتمتع بمواصفات الخطيب المثالية، فقامته طويلة، رشيق، صوته جهورى، وقور، نظراته خاطفة، مسيطر على أعصابه، رابط الجأش، ثابت النفس.

لقد بدأ الرئيس الأمريكي عهده بسياسة تميل إلى التصالح مع العالم الاسلامي، فقد سبق خطاب جامعة القاهرة مجموعو من الاشارات التي تؤكد على ذلك، فمن خطابه إلى البرلمات التركي، إلى رسالة التهنئة التى وجهها إلى الشعب الإيرانى، بمناسبة عيد النيروز، وإعلانه عن سياسته فى الخروج من العراق، وصولا إلى الوقوف تحت قبه جامعة القاهرة، وبين هذا وذاك تقبل السياسية الخارجية الأمريكي على مرحلة كبيرة تنذر في ظاهرها بالتفاءل، ولكن في حقيقة الأمر ، فإن العلاقات الدولية لا تعرف المشاعر ولا الأحاسيس الإنسانية، فما عهدنا يوما ما سياسة خارجية لبلد ما تجاه الأخرى ، فما علمنا أيضا سوى المصلحة القومية محركا لموقف بلد ما تجاه العالم الخارجي ، الأمر الذي بفرض نوعا من الحذر الطبيعي تجاه أي وافد جديد ولكن بشرط تقديم النوايا الحسنة على النوايا السيئة حتى تسير من جيد إلى الأفضل ، بدلا من سيرها الذي عاهدناه في الماضي القريب أي عهد إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن، حبنما سارت الأمور من السيء إلى الأسوأ.

وفي الحقيقة أن الغالبية العظمة من سكان المنطقة المثقلة بالمتاعب والأزمات قد تشوقوا كثيرا إلى الخطاب الذي ظنو أنه سوف يحل الكثير من المشكلات التي يعانون منها، ابتداءا من المشكلات اليومية التي يعاني منها المواطن في حياته اليومية، مرورا بمشكلات الفساد الحكومي وسيطرة الحزب الحاكم، وصولا إلى مشكلة الصراع العربي الاسرائيلي. وهو ما يشير إلى بساطة في التفكير يعاني منها الكثير من الحالمين بالمخلص الآتي من بلاد العم سام، بمتطي جواده لكي ينقذ المنطقة من مشكلاتها. وهو ما ينفيه الرجل في خطابه، من قبل وصوله إلى القاهرة، فقد صرح أوباما قبل مجيئة للقاهرة بأن لك الخطاب سوف يكون رسالة تفاهم مع العالم الإسلامي‏،‏ ويستهدف تحسين صورة بلاده لدي المسلمين‏.‏ وسيناقش الحاجة الكبيرة إلي تحقيق السلام في الشرق الأوسط‏. كما أنه قد خفض من سقف التوقعات المرجوة من وراء خطابه، قائلا في مقابلة مع قناة تلفزيونية فرنسية إن الهدف من خطابه محاولة خلق حوار أفضل مع المسلمين, ودعا إلى عدم التعويل كثيرا على خطاب واحد لتسوية مشاكل منطقة الشرق الأوسط.

وبالنظر العام إلى الخطاب فقد أورد أهم معالم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة فى هذه المرحلة، ألا و هو تفضيلها للعمل الدبلوماسى، مع التأكيد فى الوقت نفسه على أن هذا الموقف ليس نابعا من إحساس بالضعف، وإنما عن رغبة فى إعادة ترتيب جديد للأوراق والأدوار على نحو يساعد على مد الولايات المتحدة بمصادر قوة جديدة، مع التأكيد فى الوقت نفسه على عدم استبعاد الخيارات العسكرية كملاذ أخير، وهو ما يوجب الترحيب والتعامل معه على أنه إحدى الفرص التي تنهال على العرب يوميا، على الرغم أن التاريخ يثبت يوما بعد الأخر أن سكان العالم العربي الميمون قد أحترفو ضياع الفرص....... والله أعلم

ثورة يوليو في ميزان التاريخ

تمر على الشعب المصري الذكرى السادسة والخمسون على ثورة يوليو التي تحولت فيها مصر ـ لأول مرة على مر تاريخها إلى دولة تحكم على يد أبناءها. وعلى الرغم من الجدل المتواصل حول تلك الحركة التي بدأت بإنقلاب مسلح نفذه مجموعة من ضباط الجيش المصري، إلا أن الحقيقة سوف تظل باقية على مر التاريخ وهي أن من قام بأحداث تلك الليلة مجموعة من المصريين الذين يعتبر التشكيك في مصريتهم وولائهم لهذا البلد بعدا عن الموضوعية ومجانبة للصواب. وعلى الرغم من مرور اكثر من نصف قرن من الزمان على ذلك المنعطف التاريخي في حياة مصر المحروسة إلا أن الحالة العامة لها قد تحركت كثيرا عكس عقاب الساعة وارتدت مخالفة لحركة تطورالتاريخ، فما أبعدنا اليوم عن حالة الليبرالية السياسية والاقتصادية التي عاشتها مصر قبيل ثورة يوليو، وما أبعدنا اليوم عن الديمقراطية التي بدأ التوجه نحوها بعد سنوات قليلة من سقوط نظام يوليو وتولي السادات الحكم عقب رحيل الرئيس جمال عبد الناصر. الأمر الذي يثير تساؤلات عدة حول علاقة تلك الثورة بالحالة المتردية التي نعيشها اليوم، وما إذا كانت ثورة يوليو قد بدأت النواة الأولى للتراجع الذي آلت إليه الأوضاع اليوم، أم أن الثورة وكما يقول أنصارها قد حملت مشروعا أسفر ابتعادنا عنه عن ما وصلنه إليه. ثم يصبح التاريخ وحده هو الميزان الذي تقدر فيه قيمة ما تمخضت عنه تلك الليلة موعودة. فلما كانت تبعات تلك الثورة لا تقل أهمية عن تلك التطورات التي شهدتها أوروبا عقب الثورة الفرنسية، ذلك أن الثورة المصرية لعبت البادرة الأولى لعديد من حركات التحرر في العالم العربي فضلا عن القارة الإفريقية، فإنه من الواجب علينا التعرض إلى تاريخ الثورة بما ترتب عليها من تداعيات على الأصعدة المختلفة.

بداية الأحداث:

لا تقتصر أحداث ثورة يوليو على ما حدث في ليلة الثالث والعشرين من شهر يوليو 1952، بقدر ما يجب النظر إلى ذلك الحدث في ضوء التاريخ المصري والحالة التي وصل إليها المجتع بعد تراكمات امتدت لسنوات طويلة ذاق فيها الشعب المصري كافة أشكال الهوان والظلم والإستبداد سواء من قبل الغزاة الخارجيين، أو من حكامه بالداخل والذين كانت تمتد جذورهم بالأساس ـ دائما وحتى ليلة 23يوليوـ إلى الخارج على مختلف انتماءاتهم ومقاصدهم. وفي الواقع، فإن أحد أهم الأحداث التي كانت لها بالغ الأثر اندلاع شرارة الثورة، هو حرب حرب 1948 وضياع فلسطين التي ظهر بعدها تنظيم الضباط الأحرار في الجيش المصري بزعامة جمال عبد الناصر ليقود التنظيم في إنقلاب مسلح نجح في السيطرة على الأمور في البلاد والسيطرة على المرافق الحيوية في البلاد وأذيع بيانه الأول بصوت أنور السادات وفرض الجيش على الملك التنازل عن العرش لولي عهده الأمير أحمد فؤاد ومغادرة البلاد في 26 يوليو 1952.وتم تشكيل مجلس وصاية على العرش إلا أن إدارة الأمور كانت في يد مجلس قيادة الثورة المشكل من 13 ضابط برئاسة محمد نجيب كانوا هم قيادة تنظيم الضباط الأحرار ثم الغيت الملكية وأعلنت الجمهورية في 1953. وقد قامت الثورة على مبادئ ستة كانت هي عماد سياستها فيما بعد وهي: 1ـ القضاء على الاقطاع. 2- القضاء على الاستعمار. 3- القضاء على سيطرة رأس المال. 4- إقامة حياة ديمقراطية سليمة. 5- إقامة جيش وطني قوي. 6- إقامة عدالة إجتماعية. وفي الظاهركان قائد الحركة التي سميت فيما بعد بالثورة هو اللواء محمد نجيب و لكن تطورات الأحداث أظهرت صراعا على السلطة نشأ بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر، استطاع جمال أن يحسمة إلى صفه في النهاية و حدد إقامة محمد نجيب في منزله لفترة من الوقت. تولى جمال عبد الناصر بعد ذلك حكم مصر من 1954 حتى وفاته عام 1970 واستمد شرعية حكمه من ثورة يوليو.

لقد جاءت الثورة في فترة عرف فيها النظام العالم ثنائية الأقطاب. مما دفع مجموعة العسكر إلى الإستفادة من المناورة بين المعسكرين الشرقي والغربي. وعلى الرغم مما عرف عن توتر العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة إلا أن الوثائق تشير إلى أن ثورة يوليو كان لها بالغ الأثر على منحنى العلاقات بين الطرفين ففي البداية كانت العلاقة ذات حساسية خاصة، وتحديدا في الفترة منذ قيام الثورة حتى عام 1958، وذلك على الرغم من الإعتقاد الذي ساد بأن العلاقة بين مصر والولايات المتحدة قد شابها نوع من التوتر والفتور منذ بداية الثورة حتى نهاية حكم عبد الناصر. فقد شهدت تلك العلاقات في البداية تقاربا بين النظامين في كلا البلدين. ففي البداية عضدت أمريكا جماعة الضباط الأحرار وحالت دون تدخل بريطانيا لإعادة الملك فاروق للحكم، وكانت عاملا أساسيا في مساعدتها في السيطرة على زمام السلطة بشتى الوسائل الممكنة، سواء بصورة علنية أو سرية، بالقلم أو البندقية، وقد أيدتها في خطوة إلغاء دستور 1923 كما أنها باركت إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في 23 يونيو 1953، وقد كان الدافع منوراء تلك المساندة الأمريكية للضباط الأحرار هو الأمل في أن تجد منها صدرا مرحبا بمشاريع الدفاع الغربية التي كانت جل آمال الولايات المتحدة آنذاك، من أجل إحتواء الخطر السوفيتي، لكن الرياح لا تأتي بما تشتهي السفن، حيث كاتن هناك العديد من العوامل التي دفعت بالقوى الإقليمية إلى أن تتباعد حفاظا على مكانتها وموضعها. لقد كانت القوى الجديدة الحاكمة في مصر أسيرة ميراث طويل في دور مصر القيادي الرافض للارتباط بالغرب، مما دفع بالقوى العالمية ممثلة في الولايات المتحدة بالسعي إلي شكل جديد لاحتواء الموقف، وكانت مشاريع السلام بين مصر وإسرائيل هي الحل بالنسبة لصانع السياسة الأمريكية، الذي رأى فيها حلا نموذجيا قد يدفع بالقوى الإقليمية لإيقاف الإقتراب من الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، وأن صفقة السلاح التي مكنت الإتحاد السوفيتي من القفز فوق أسوار الأحلاف الغربية سوف تكون أول وآخر صفقة. حيث استفادت الثورة كثيرا في مرحلة التباعد مع الولايات المتحدة من علاقاتها بالاتحاد السوفيتي.

ولم تشهد تلك المرحلة من تاريخ مصر ما عرفته فيما بعد من مظاهر الفتنة الطائفية. فعلى الرغم من أن حركة الضبات الأحرار قد قامت على تنظيم سري ولم يكن ضمن هذا التنظيم أي قبطي ينتمي إلى الصف الأول إلا أن الأقباط لقد رحبوا شأنهم شأن بقية أبناء الشعب بقيام الثورة. وتمر الأيام تلو الأيام ويغلب على الأقباط التوجس خاصة حول مشاركة الأقباط في حركة الجيش وتحول التوجس إلى قلق وبشكل خاص بعد أن استبعدت الثورة قادة الرأي من الصفوة القبطية سواء بفعل قانون الإصلاح الزراعي أو بالتأميمات. كما أن تغلغل الإخوان المسلمين وازدياد نفوذهم على رجال الثورة أثار شكوك ومخاوف الأقباط ولاسيما أن غالبية الضباط الأحرار كانوا من الإخوان المسلمين. فكان جمال عبد الناصر يقوم بتدريب التنظيم السري العسكري للإخوان المسلمين وإمداده بالسلاح مع أنور السادات بل إن عبد الناصر نفسه كان عضوا في جماعة الإخوان تحت اسم حركي هو عبد القادر زغلول وذلك وفقا لرواية حسن العشماوي المحامي أحد قيادات الإخوان المسلمين آنذاك.

لقد تبنت الثورة فكرة القومية العربية ، وسعت إلى مساندة الشعوب العربية المحتلة للتخلص من الاستعمار ، فجاءت الوحدة مع سوريا واليمن ، كما سعت إلى محاربة الإستعمار بكافة صوره وأشكاله في أفريقيا ، فتزعمت مصر الناصرية عملية تأسيس دول عدم الانحياز.

ولم يستمر النهج الثوري الذي رسمه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فعقب رحيله تولى السادات الحكم لتتحول فلسفة الحكم إلى النهج الليبرالي المنفتح على المجتمع الغربي آملا في إزالة آثار العدوان الذي حل على الأمة العربية في الخامس من حزيران 1967. وهنا تتحول القبلة إلى واشنطن بدلا من موسكو التى اعتمد عليها عبد الناصر كثيرا، وعقب حرب اكتوبر 1973 التي حقق فيها الجيش المصري مكاسبا جيدة بدأت عملية التنمية التي اعلن عنها السادات مستندا فيها على الإستقرار السياسي الذي اتكأ على حالة السلام مع اسرائيل، متجاهلا الاعتراضات وموجات النقد التي وجهها إليه الكثير من العرب وصولا إلى حالة المقاطعة لباقي سنوات حكمه والتي انتهت نتيجة الجهود التي قام بها خلفه الرئيس مبارك مما أعاد مصر إلى الطوق العربي. ومن هنا بدأت عجلة التنمية تدور تأسيسا على عملية الإنفتاح الإقتصادي والسياسي التي بادر بها السادات في منتصف السبعينات. إلا أنه ومع تغير طبيعة المرحلة في أواخر التسعينات من القرن المنصرم وبداية القرن الحالي، حيث كانت الديمقراطية الإصلاح السياسي هماأهم متطلبات المرحلة الجديدة، تواكبا مع الموجة العولمية في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقمة هرم النظام العالمي الجديد.

لقد شهد النصف قرن المنصرم جدلا عريضا حول طبيعة ما حدث في ليلة 23يوليو وما إذا كان ذلك يعتبر ثورة أم مجرد انقلاب عسكري قام به مجموعة من المغامرين العسكريين. ووفقا لما يرى علماء الاجتماع بشأن الثورة فإنها تحول جذري ينال كافة أرجاء المجتمع. فعلى الرغم من أن ما قام به مجموعة المغامرين في تلك الليلة مجرد حركة عسكرية، إلا أن ما حدث بعد ذلك الحدث جعلت منه واحدا من أهم ثورات المنطقة بالنظر إلى تبعاتها على المستوى السياسي والإجتماعي. لقد سقط نظام يوليو سياسيا بعد ثمانية عشرا عاما ليحل محله منطق مختلف بادر به الرئيس الراحل أنور السادات الذي لم يتواني عن بث الوعود المتتالية بالجنة الموعودة من فيض التنمية المأمولة وصولا إلى خيبة الأمل التي نرزح في طياتها، الأمر الذي يطرح علينا التساؤلات مرارا وتكرارا: هل حملت ثورة يوليو بذور التدهور الذي نعيشه اليوم؟ أم أنها قد حملت مشروعا أسفر مجانبتنا له عن نفس النتائج؟ أم فشلت المرحلة التالية على ثورة يوليو على مدار حوالي أربعين عام في إصلاح ما أفسدته الحقبة الناصريه على مدار ثمانية عشر عاما فقط؟ وغيرها من التساؤلات التي أعمتنا ذاتيتنا المفرطة عن الإجابة لنترك المهمة للتاريخ والأجيال القادمة لتحكم عليها بينما نكتفي نحن بالإجابة المعهودة " الله أعلم" ..... والله أعلم.

ذكرى أكتوبر بين الآمال وآلام

ستة وثلاثون عاما مرت على حرب أكتوبر ولا يزال المواطن المصري يحلم بالرخاء كما وعدته القيادة السياسية، ولازالت تتوعده حتى يومنا هذا. واليوم وبعد مرور ستة وثلاثين عاما على الحرب لا يزال المواطن المصري يفتقد إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، فما بين نظام حاكم يعيث في الأرض الفساد، ويرسخ لقيم التمييز والعنصرية ضد الفقراء لصالح القلة الحاكمة من جهة، ومعارضة تنعم بالضعف وتتلذذ به وتسعد بالسوس الذي ينخر في عظامها من جهة أخرى، يعاني المواطن المصري من ويلات الحرمان وتضيع أبسط آماله في العيش حياة كريمة. وهو ما صحيفة "الجارديان" البريطانية لوصف العلاقة بين الطرفين ـ النظام الحاكم والمعارضة ـ قائلة: النظام المصري هو النظام الوحيد في العالم الذي يختار المعارضة الملائمة له؛ فالأحزاب الحالية كارتونية مجمدة يحتفظ بها النظام ويخرجها وقت الحاجة إليها، وهناك أحزاب حقيقة موجودة في الشارع ولكنها غير مرخصة. وعلى الرغم من مرور السنوات وراء بعضها البعض، تتلاشى آمال المصريين في حياة ديمقراطية وعدت ـ ولازالت توعد بها ـ بها القيادة السياسية.

واليوم تعود علينا ذكرى جديدة لحرب أكتوبر المجيدة لتحمل معها الذكريات التي تبعث الأمل في نفوس المصريين، كما تفسح المجال للمزيد من التمعن والاستفادة من دروس الماضي القريب. لقد تلقي العالم العربي ضربة قاسمة في الخامس من يونيو 1967، ولم تكن تلك هي نهاية الصراع العربي الإسرائيلي. ففي التاسع والعشرين من أغسطن1967 اجتمع قادة دول الجامعة العربية في مؤتمر الخرطوم بالعاصمة السودانية ونشروا بياناً تضمن ما يسمى بـ"اللاءات الثلاثة": عدم الاعتراف بإسرائيل، عدم التفاوض معها، ورفض العلاقات السلمية معها. وفي سبتمبر 1968 تجدد القتال بشكل محدود على خطوط وقف إطلاق النار بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا بما يسمى حرب الاستنزاف، مما دفع الولايات المتحدة أحدى القوتين العظميين إلى اقتراح خطط لتسوية سلمية في الشرق الأوسط، وكان وزير الخارجية الأمريكي وليام روجرز قد إقترح ثلاث خطط على كلا الجانبين: الخطة الأولى كانت في 9 ديسمبر 1969، ثم يونيو 1970 ، ثم 4 أكتوبر 1971. وقد رفضت المبادرة الأولى من جميع الجوانب ، و أعلنت مصر عن موافقتها لخطة روجرز الثانية حتى تعطي نفسها وقتاً أكثر لتجهيز الجيش و تكملة حائط الصواريخ للمعركة المنتظرة، أدت هذه الموافقة إلى وقف القتال في منطقة قناة السويس، و إن لم تصل حكومة إسرائيل إلى قرار واضح بشأن هذه الخطة. وفي 28 سبتمبر 1970 توفي الرئيس المصري جمال عبد الناصر ، وتم تعيين أنور السادات رئيساً للجمهورية. في فبراير 1971 قدم أنور السادات لمبعوث الأمم المتحدة غونار يارينغ، الذي أدار المفاوضات بين مصر وإسرائيل حسب خطة روجرز الثانية، شروطه للوصول إلى تسوية سلمية بين مصر وإسرائيل وأهمها انسحاب إسرائيلي إلى حدود 4 يونيو 1967. إلا أن الجانب الإسرائيلي قد رفض هذه الشروط مما أدى إلى تجمد المفاوضات. وفي 1973 قرر الرئيسان المصري أنور السادات والسوري حافظ الأسد اللجوء إلى الحرب لاسترداد الأرض التي خسرها العرب في حرب 1967. وقد كانت الخطة ترمي الاعتماد على المخابرات العامة المصرية والمخابرات السورية في التخطيط للحرب وخداع أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية و مفاجأة إسرائيل بهجوم غير متوقع من كلا الجبهتين المصرية والسورية، و هذا ما حدث، حيث كانت المفاجأة صاعقة للإسرائليين.

وفي الأحداث قام الجانب المصري بحشد نحو مليون عسكري وصلت ذروة القتال عندما قذفت مصر اسرائيل بـ 185 قذيفة مدفعية في الثانية من فوهات 11000 مدفع، وعلى الجانب السوري تم حشد أربعمائة ألف عسكري وألف خمسمائة دبابة في جبهة عرضها سبعين كيلومتراً، وقامت الدولتان ببناء حائط صواريخ دفاع جوي اعتبر الأكثر تطوراً وكثافة في وقتها. وقد تمكن الجيش المصري في يوم السادس من أكتوبر عام 1973 من عبور قناة السويس و اختراق الساتر الترابي في 81 مكان مختلف وإزالة 3 ملايين متر مكعب من التراب عن طريق استخدام مضخات مياة ذات ضغط عال ، قامت بشرائها وزارة الزراعة للتمويه السياسي ومن ثم تم الاستيلاء على أغلب نقاطه الحصينة بخسائر محدودة ومن ال 441 عسكري إسرائيلي قتل 126 و أسر 161 و لم تصمد إلا نقطة واحدة هي نقطة بودابست في أقصي الشمال في مواجهة بورسعيد وقد اعترض أرئيل شارون الذي كان قائد الجبهة الجنوبية علي فكرة الخط الثابت واقترح تحصينات متحركة وأكثر قتالية ولكنة زاد من تحصيناته أثناء حرب الاستنزاف. وأخيرا، وبلغت تكاليف خط بارليف 500 مليون دولار في ذلك الوقت .

وبعد مرور السنوات المتتالية يمكن إعادة النظر إلى ما جرى في ليلتي الخامس من يونيه 1967، والثالث من أكتوبر 1973حتى يمكننا الانطلاق منها نحو فهم أعمق للحاضر. وذلك من خلال الإشارة إلى عدة ملاحظات عابرة حول ما تضمنه مفردات النصر والهزيمة. أما بالنسبة للنصر فإنه يشير في أبسط دلائله إلى محصلة مجمعة من المكاسب الجزئية أو نتيجة إجمالية لمجموعة من الجولات. الفوز في جولة واحدة يعد مكسبا ، وبالتالي فإن النصر هو محصلة لمجموعة من المكاسب. وعلى الجانب الآخر نجد مفهوم الهزيمة التي تشير إلى أنها محصلة مجموعة من الخسائر في عدة جولات من الصراع الواحد. والهزيمة في هذا الإطار يصاحبها نوع من كسر الإرادة التي ربما تكون سببا في إنهاء الصراع. وعليه فإن نتائج الحرب العالمية الأولى الدامية بالنسبة لفرنسا واحتلال الألمان لها لم يصاحبه كسر إرادة الفرنسيين، ذلك أنهم دأبوا على المقاومة الداخلية والخارجية التي قادها الجنرال شارل ديجول مستفيدا من ظروف العلاقات الدولية وقتئذ، إلى أن وصل مع زملائه إلى تحرير بلاده. هكذا لم تنكسر إرادة الشعب الجزائري مثله في ذلك مثل غيره من الشعوب،أمام عجلات الإستعمار التي عانت منها سنوات طويله. وتأسيسا على هذا فلم تحقق ألمانيا النازية الانتصار حينما تفوقت في معارك الحرب العالمية في مطلع القرن الماضي، إذ أن الصراع قد انتهي بشكل عام إلى تفوق الحلفاء وانتصارهم وخروج ألمانيا منكسرة الإرادة واستسلامها في حالة "هزيمة".

والمتأمل في هاتين المتناقضتين (النصر والهزيمة) يجد أن ما حدث في ليلة الخامس من يونيو 1967 لا يمكن إدراجه تحت مسمى الهزيمة، حيث لم تكسر إرادة الشعب المصري، فربما كانت انطلاقة جديدة للصراع العربي الإسرائيلي مع بدايات حرب الاستنزاف وصولا إلى السادس من إكتوبر 1973. وبالمثل فإن ما حدث في السادس من أكتوبر لا يمكن إدراجه تحت مسمى النصرـ وفقا للإشارات السابقةـ فماكانت حرب اكتوبر سوى جولة أخرى من جولات الصراع العربي الاسرائيلي التي بدأت مع حرب فلسطين عام 1948 و لازالت حتى يومنا هذا وإن اختلف شكل الصراع بحسب المراحل التاريخية والمكانية لكافة أشكال الصراع العربي الاسرائيلي. حيث حقق الجانب المصري مكسبا عسكريا لا يمكن تجاهله على الرغم من خيبة الأمل السياسية التي تبعته، نتيحة لعدم التوظيف السياسي الجيد من قبل المفاوض المصري الذي أعمته نشوة المكاسب العسكرية عن التأني في التفاوض وفقا لمعطيات ما بعد السادس من أكتوبر.

لقد كانت أحد أهم أهداف القرار الذي اتخذه بشجاعة الرئيس المصري السابق أنور السادات وكان من بين منفذيه الرئيس المصري الحالي محمد حسنى مبارك، هو العبور بمصر إلى محطة متقدمة في التنمية. وقد كانت الديمقراطية هي أحد الركائز التي ارتكز عليها الرئيس السادات من أجل ذلك. إلا أننا اليوم وبعد ثلاثة عقود لا يزال المجتمع المصري يقف على شواطئ الديمقراطية حالما متأملا مصدقا للوعد التي تصدرها القيادات السياسية الحكيمة يوما بعد يوم. وبالفعل فإنه بفضل الجهود الحكيمة للقيادات السياسية المتتابعة على الشعب المصري وصلنا اليوم إلى أحد أشكال الديمقراطية، ولكن لسوء حظ المواطن المصري فإنها ديمقراطية مريضة، متعددة الأحزاب، تجرى في ظلها الانتخابات، وتبلغ مؤسسات المجتمع المدني في ظلها ما يربو على 21 ألف جمعية أهليه. وعلى الرغم من كل تلك الديكورات الديمقراطية إلا أنها بالفعل ديمقراطية مريضة، تزوّر فيها الانتخابات، وتلعب فيها الأحزاب أدوارا كرتونية بهلوانية، و يعاني فيها المجتمع المدني من القيود العديدة التي قد تشل حركته أحيانا، والانتهاكات اليومية للحريات الأساسية التي يحتاجها المواطن فضلا عن تسيد السلطة التنفيذية على غيرها من السلطات، وبين هذا وذلك تتبخر أحلام التنمية. إلى أن يقف المواطن على ضفاف الديمقراطية ليقلم اظافرة بأسنانة وفي جوفه حسرة على ما كان كان يحلم به.

وأخيرا، فلم تعد ذكرى إكتوبر سوى لحظات يحتفل فيها المواطن المصري مع وسائل الإعلام الرسمي بعدد من الأفلام السينمائية التي لا ترقى إلى مستوى الحدث ولا إلى الدروس التي يجب الإستفادة منها، فضلا عن مجموعة من البرامج الحوارية التي تتناول الحدث بشيئ من السطحية. لتمر الذكرى مرور الكرام. وعلى هذا فلا تعدوا ذكرى أكتوبر سوى الفخر بمآثر الأجداد وعظمة أمجاد الماضي القريب ... والله أعلم

الاثنين، 12 أكتوبر 2009

إدارة أوباما والإراتداد على الديمقراطية


جاء الرئيس باراك أوباما إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية محملا ومعه آمال الكثيرين الراغبين في التغيير. وقد جاء أول رئيس أمريكي أسود بعد تحديات اجتازتها الولايات المتحدة أفضت إلى تحولات عميقة في المجتمع الأمريكي، وخاصة بعد أن تنافس على أعلى منصب في العالم إمرأة وشخص أسود من أصول مسلمة. لقد جاءت إدارة أوباما في مرحلة ما بعد 11 سبمتبر لتواجه اصعب التحديات في السياسة الأمريكة وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات بالعالم الإسلامي، ومنطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد. وخاصة بعد فترة حكم لإدارة جمهورية يمينية خاضت في عهدها الولايات المتحدة حربين كان لهما بالغ الأثر على صورة الولايات المتحدة في أنظار العالم كافة.
إن الرئيس الأمريكي في المقام الأول هو من ينفذ السياسة الأمريكية التي ترسمها المؤسسات المختلفة وفقا لما تقتضيه المصلحة الأمريكية. ومن منطلق المصلحة القومية تأتي أية تحولات في السياسة الأمريكية، فعلى الرغم من حالة التباعد الدبلوماسي أثناء فترة حكم جورج دبليو بوش فقد عادت حالة الدفء للعلاقات حينما بادر أوباما بزيارته التاريخية تحت قبة جامعة القاهرة وتوجيه خطاب تاريخي حمل أهم ملامح التغير في السياسة الأمريكية في المنطقة. إذ جاء الخطاب غالبيته يركز على النهج التصالحي مع العالم الإسلامي بعد اهتزاز الثقة التي خلفها سلفه دبليوبوش، فقد ركز الخطاب على العلاقات والمصالح المتبادلة والمتداخله بين الغرب والعالم والإسلامي، كما ركز بشدة على ضرورة الاستقرار كأحد أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة، كما تطرق الخطاب إلى الحريات والتسامح كقيمة عالمية تشترك فيها كافة المعقتدات.
لقد شهدت السياسة الأمريكية تحولا كيفيا في عهد أوباما، فبدلا من التعامل مع المجتمع المدني كشريك في نشر الديمقراطية والضغط على حكومات المنطقة من أجل تحقيق ذلك، تركز الإدارة الحالية على الاستقرار والأمن في المنطقة. فقد انصبت المحادثات الثنائية بين الرئيسين المصري والأمريكي سواء كان في زيارة أوباما للقاهرة أو زيارة الرئيس المصري لواشنطن على ملفات الأمن في الشرق الأوسط مثل الوضع في فلسطين وإحباط تجربة حماس، وكبح جماح حزب الله وتطويق النفوذ الإيراني وغيرها من القضايا التي تواجه السياسة الأمريكية في المنطقة. وفي هذا تلعب القاهرة تلعب دورا نشطا في هذا الميدان من خلال الوساطة التي تقوم بها بين الجانب الإسرائيلي وحركة حماس التي تسيطر على غزة من أجل الإفراج عن الجندي الأسير لدي الأخيرة منذ 2006، الأمر الذي يترجم في الزيارات المكوكية لبعض قادة حماس للقاهرة وجولة روبرت جيتس وجونز وميتشل المكوكية بين القاهرة وتل ابيب ودمشق وبيروت ايضا قبل سفر مبارك لواشنطن بايام.
إن المتابع للعملية السياسية في المنطقة يمكنه أن يلاحظ بوضوح مدي ديناميتها المبنية على المصالح المتغيرة، وهو ما قد يحمل بين طياته عملية الخداع التاريخية التي تعرض لها دعاه الإصلاح والديمقراطية في المنطقة، حينما توهم الغالبية منهم بأن الرئيس الأمريكي الأسود ذات الأصول الإفريقية المسلمة يمكنه أن يحقق طموحاتهم الراغبة في التغيير. وهي الآمال التي أحبطت مع ظهور الجانب البراجماتي للسياسة الأمريكية وتخلي إدارة بوش عن الشعارات الإنتخابية والتفرد للمصلحة الأمريكية البحته دون غيرها من مالم يتعارض مع منظومة المصلحة الأمريكية. مما مثل حالة من خيبة الأمل لأولئك الداعين إلى الإصلاح والتغيير في المنطقة. فالرئيس الأمريكي الشاب الذي وصل إلى البيت الأبيض على اساس مجموعة من الشعارات الرامية إلى التغيير يتحالف اليوم مع النظم السلطوية مخيبا بذلك آمال مؤيديه في الشرق الأوسط. وبدلا من العمل على الضغط على النظم السلطة من أجل تدعيم المجتمع المدني وتوجيه المخصصات المالية إلى مشروعات التغيير والإصلاح وحقوق الإنسان، نجد التركيز المشروعات التنومية التي لا تعارضها النظم القائمة في المنطقة والتي تنشد الاصلاح والتغيير حتى لا تجد إدارة أوباما نفسها في مواجهة مع النظم القمعية في المنطقة والتي تخدم المصلحة الأمريكية في لحظة تاريخية معينة.
لقد تقدم الرئيس أوباما للكونجرس من أجل إقرار المساعدات الخارجية المخصصة لمنطقة الشرق الأوسط إلا أنه من الملاحظ على ميزانية هذا العام قد شهدت تحويل بعض الموارد المالية المخصصة للعالم العربي بعيدا عن اقامة شراكات مع منظمات المجتمع المدني، وتفضيل التعامل مع الحكومات نظرا لجدوى ذلك في المعادلة السياسية وفقا لما تقتضيه المصلحة الأمريكية. فقد بلغت إجمالي المساعدات الخارجية للمنطقة 11 مليار دولار بزيادة قدرها 48 في المئة على اجمالي المساعدات السنوية التي طلبها بوش للمنطقة قبل عام. وعلى الرغم من تلك الزيادة الكمية إلا أنه هناك تحولا نوعيا في تلك المساعدات، فالقسم الأعظم من التمويل المخصص للديمقراطية وادارة الحكم في المنطقة يقترن بالجهود العسكرية الاميركية في افغانستان وباكستان والعراق حيث بلغت نسبة الاعتمادات المرصودة لهذه البلدان الثلاثة تشكل 86 في المئة من مجموع 1.54 مليار دولار. إن الزيادة الملحوظة في الاهتمام بالمساعي الأمريكية من الناحية العسكرية في العراق وأفغانستان يأتى إمتدادا لرؤية الإدارة الأمريكية السابقة والتي كان من المأمول لدي الكثيرين أن تتحول إلى التركيز على القوة الناعمة ودعم وتشجيع موسسات المجتمع المدني. إلا أن الملاحظ في التوجهات الأخيرة لإدارة أوباما أنها تشير إلى غير ذلك. فالجانب الأمني والاستقرار تقدمت الأولويات الأمريكية في المنطقة على حساب ما كان مأمولا بشأن المجتمع المدني وذلك على الرغم من الدور المحوري الذي يلعبه المجتمع المدني في عملية التحول الديمقراطي، حيث يسهم في كبح السلطة السياسية عن طريق توجيه المشاركة السياسية والامال وتشجيع تطور ثقافة الديموقراطية وحين يشعر الناس ان هناك فرصاً حقيقة امامهم لاحداث تغيير في بلدانهم يصبون جهودهم في هذا الاتجاه ويخف حماسهم للانتقام خارج حدودهم .
لقد قدمت الولايات المتحدة في اعقاب 11 سبتمبر مجموعة من المبادرات الوجيهة لتشجيع الخيار الديموقراطي في الشرق الاوسط . الأمر الذي يفرض عليها دعم مبادراتها بمساع دبلوماسية تظهر للجميع شعوباً وحكومات ان حقوق الانسان والممارسة الديموقراطية في أعلى سلم اولوياتها كما يجب دمج تلك التدابير الدبلوماسية في اطار استراتيجية المساعدات الخارجية الهادفة الى تقوية مواقع القوى المدافعة عن الاصلاح الديموقراطي في المنطقة .
وأخيرا، فإن العالم يعيش في مرحلة ما بعد 11سبتمبر التي أثرت ـ بلا شك ـ على الديمقراطية في المنطقة بأشكال مختلفة، وذلك منذ أن رأت الولايات المتحدة أن علاج الإرهاب يكمن في جوهرة في دمقرطة الشعوب، وهو ما تم تنفيذه بأشكال مختلفة، فما بين إدارة بوش الجمهورية التصادمية، وإدارة أوبما الديمقراطية التصالحية تتأرجح السياسة الأمريكية في المنطقة وبالتبعية تتأرجح عملية الديمقراطية. إلا أنه وبقليل من التمعن، يمكن الاستنتاج أن الأمر برمته لا يعدو كونه إحدى مفردات اللعبة السياسية، ذلك لمن ارتضاها وشارك فيها. والله أعلم